أحمد مصطفى المراغي
100
تفسير المراغي
بالذات وإنما هي لمن بلغ عنه ، إذ قد جرت سنته سبحانه ألا يأمر الناس ولا ينهاهم إلا بواسطة رسل منهم يفهمون عنهم ما يوحيه إليهم ليبلغوه عنه . أما ما يقوله الرسول من تلقاء نفسه وما يأمر به مما يستحسنه باجتهاده ورأيه من أمور المعيشة كتأبير النخل ( تلقيحه بطلع الذكر ) ونحوه مما يسميه العلماء أمر إرشاد ، فطاعته فيه ليست من الفرائض التي فرضها اللّه ، لأنه ليس دينا ولا شرعا عنه تعالى ، فقد أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بكيل الطعام كالقمح وغيره من الحبوب عند طحنه وعند عجنه وهو من التدبير والاقتصاد في البيوت ، وأكثر المسلمين أهملوه إلا من تعوّد منهم التدبير وحسن التقدير في المنازل ، وكذلك أمر بأكل الزيت والادّهان به . وقد كان الصحابة رضوان اللّه عليهم إذا شكّوا في الأمر أمن عند اللّه هو أم من رأى الرسول واجتهاده ؟ وكان لهم في ذلك رأى آخر سألوه ، فإن أجابهم بأنه من اللّه أطاعوه بلا تردّد ، وإن قال إنه من رأيه ذكروا رأيهم ، وربما رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم عن رأيه إلى رأيهم كما فعل في بدر وأحد . روى مقاتل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول « من أحبني فقد أحب اللّه ومن أطاعني فقد أطاع اللّه ، فقال المنافقون : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل ؟ لقد قارف الشرك ، قد نهى أن نعبد غير اللّه ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ، فأنزل اللّه هذه الآية » . فالمؤمن حقا لا يكون خاضعا إلا لخالقه وحده دون أحد من خلقه ، والخروج عن ذلك شرك ، وهو نوعان : 1 ) أن ترى لبعض المخلوقات سلطة غيبية وراء الأسباب العادية ، ومن ثم ترجو نفعها وتخاف ضرها وتدعوها وتذل لها ، وذلك هو الشرك في الألوهية . 2 ) أن ترى لبعض المخلوقين حق التشريع والتحليل والتحريم ، كما فسر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون ، وذلك هو الشرك في الربوبية .